السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

33

مفاتيح الأصول

ثم يقول اضرب زيدا وقلنا إن صيغة افعل مشتركة بين الوجوب والإباحة الحمل على الظاهر والحقيقة أو يلزم التوقف وعدم الحمل على الحقيقة فيكون الحمل عليها مشروطا بظهور عدم القرينة وعلى الأول يكون مشروطا بعدم ظهور القرينة على ذلك يستفاد من أكثر المحققين الأول ومنهم المحقق الثاني في جامع المقاصد والمقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة وصاحب المعالم ووالدي دام ظله فإنهم تمسّكوا على اختصاص رجوع الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة المحتمل رجوعه إلى الجميع بالأخيرة بأن الرجوع إليها معلوم والرجوع إلى غيرها محل الشك فالأصل عدم الرجوع إليه لأصالة بقاء العام على ظاهره وحقيقته وأن التخصيص خلاف الأصل فيقتصر فيه على موضع اليقين ويستفاد من العلامة الخوانساري وجمال الدين الخوانساري فيما حكي عنه الثاني فإنه منع ما تمسك به أولئك في المسألة المذكورة وقال أصالة الحقيقة لم يثبت لها دليل على اعتبارها وحجيتها بحيث ينفع مثل المقام لأن القدر الثابت حجية ما هو ظاهر ومظنون بالنسبة إلى العالم بالاصطلاح وأما أزيد منه فلم يثبت انتهى والمعتمد عندي هو هذا القول لوجوه الأول أن الأصل بعد عدم معلومية المراد من اللفظ التوقف خرج منه صورة الظن به بالدليل القاطع وهو منتف في محل البحث فيبقى مندرجا تحته الثاني استصحاب عدم تعلق الحكم بالحقيقة التي شك في إرادتها فتأمل الثالث عمومات الكتاب والسنة المانعة من العمل بغير العلم خرج منه بعض الأمور ولا دليل على خروج محل البحث منها فيبقى مندرجا تحتها الرابع أن المعهود من أهل اللسان هو التوقف وعدم حمل اللفظ على المعنى الحقيقي حيث يحصل الشك بالمعنى المتعارف في إرادته فيجب اتباعهم للاتفاق على الظاهر على أن المناط في اللغات هو ما عليه أهل اللسان وعدم ثبوت حكم شرعي فيها يخالف ما هم عليه ولعموم قوله عز وجل وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه الآية الخامس أنه إذا حصل الشك في المراد من اللفظ صار من المجمل لأن المجمل هو اللفظ الذي لم يتضح دلالته على المراد والمستفاد من كلمات القوم أن المجمل لا يحمل على شيء من محتملاته بالخصوص إلا بعد القرينة فتأمل لا يقال أطلق القوم لزوم حمل اللفظ على معناه الحقيقي وأن المجاز خلاف الأصل فيجب المصير إليه بالإجماع لأنا نقول لا نسلم ثبوت هذا الإطلاق من الجميع بل المحصل من كلمات جميعهم هو لزوم حمل اللفظ على معناه الحقيقي في الجملة لا مطلقا وإطلاق البعض لو سلم لا يحصل منه الإجماع سلمنا أنهم أطلقوا ولكن الإطلاق ينصرف إلى الصورة الغالبة وهي التي يحصل فيها الظن بإرادة الحقيقة وأما في صورة الشك فيها فلا ينصرف إليها الإطلاق جدا لندرتها كما لا يخفى ولا يقال إن مقتضى وضع الواضع اللفظ لمعناه حكمه بلزوم الحمل عليه مطلقا خرج منه ظهور القرينة على التجوز بالدليل القاطع وهو منفي في صورة الشك فيها فتبقى مندرجة تحت إطلاق كلام الواضع فالحمل على الحقيقة في صورة الشك بالمعنى المتعارف في التجوز إنما هو باعتبار إطلاق كلام الواضع لأنا نقول لا نسلم شمول إطلاق كلام الواضع لصورة الشك في التجوز التي هي محل البحث إذ لم يثبت من الواضع سوى الوضع وهو بنفسه لا يدل بشيء من الدلالات على لزوم الحمل على الحقيقة مطلقا فتأمل سلمنا الشمول ولكن قد يطالب بدليل حجية لزوم العمل بهذا الإطلاق وفيه نظر فتأمل ولا يقال اللفظ الموضوع يجب حمله على حقيقته بمجرد صدوره من اللافظ كما أن الماء يجب الحكم بطهارته بمجرد رؤيته وإن ظهرت قرينة على إرادة المجاز وجب العدول عن الحكم المذكور وإن لم يظهر وجب العمل به عملا بالاستصحاب كما أنه يجب في الماء المحكوم بطهارته الحكم بالطهارة حيث يحصل الشك في نجاسته حتى يظهر بالقرينة بمنزلة ورود المنجس على الماء وبالجملة لا شك في أن وضع اللفظ مقتض للحمل على الحقيقة والقرينة مانعة له كما أن عقد النكاح مقتض للزوجية والطلاق مانع لها وقد ثبت أنه يجب العمل بالمقتضى حتى يثبت المانع ومجرد الشك فيه لا يمنع من العمل بالمقتضي لأنا نقول لا نسلم أن صدور اللفظ مقتض للحمل على معناه الحقيقي مطلقا لعدم الدليل عليه بل القدر المسلم هو لزوم حمله عليه حيث يظهر إرادته فلا يتجه ما ذكر مع أن حجية الاستصحاب في أمثال هذه المسائل محل إشكال فتأمل ولا يقال الغالب حمل اللفظ على معناه الحقيقي فيجب إلحاق محل الشك بالغالب لأنا نقول الغالب حمل اللفظ على معناه الحقيقي الذي يظهر إرادته لا مطلقا فلا يصح إلحاق محل البحث بالغالب ولا التمسك بالاستقراء على وجوب الحمل على الحقيقة فيه بل مقتضى الاستقراء خلافه فتأمل ولا يقال علي ما ذكرت يلزم سد باب الاستفادة من طريق المحاورة والمكاتبة لأن عدم القرينة هناك غير معلوم ومشكوك فيه لاحتمال أن المتكلم والكاتب قد سهيا عن ذكر القرينة وكتابتها لأنا نقول ذلك وإن كان محتملا ولكنه خلاف الظاهر قطعا ونحن لم نجعل مجرد احتمال القرينة قادحا في الحمل على الظاهر والحقيقة وإن كان مرجوحا عادة بل الاحتمال المساوي الموجب للشك في إرادة الظاهر بحسب العادة ولذا نذهب إلى أن الوجه في حجية أصالة عدم القرينة وأصالة عدم